لكي يكتب ميسي التاريخ

عندما دوّن أفلاطون الأسس التي ستقوم عليها المدينة الفاضلة، وضع بينها الرغبة في العمل لتكون مصنعا للازدهار، أما أن تُعكس الآية ليحصد المرء ازدهارا دون عمل، فهذا مما استعصى على فلاسفة الشرق والغرب!

لم يثر فوز ليونيل ميسي بجائزة أفضل لاعبٍ في كأس العالم 2014 لغطا وجدلا حقيقيا في رأيي، فللمرة الأولى، توحّد عشّاقه مع أعدائه في الاعتراف بأنه مُنح شرفا لم يكن جديرا به، وخرج مارادونا نفسه ليعبّر عن استيائه من "الصدقة" التي طُيّب خاطر ميسي بها.

لقد قصرت اليد الأرجنتينية عن الكأس، وتبدد الحلم، ولكن أعتقد بأن هاجس ميسي في الانضمام إلى نادي الأساطير لم ينتهي مع الهزيمة الأليمة.

اعتاد ميسي أن يكون هدفا للمحاباة والمجاملات والتفضيّل دونما وجه حقٍ. ففي القلعة الكتالونية، هو الآمر الناهي الذي يسيّر النادي وفق مشيئته، فيؤدب الزملاء، ويعيّن المدربين، ويمدد العقود، وربما يقود حافلة النادي مستقبلا.

وفي الملعب، تلاحق التحكيم التهم الدائمة بالميل نحوه واحتساب الأخطاء على خصومه، وكان مارك ويلموتس، مدرب المنتخب البلجيكي، آخر من ردد هذه الاسطوانة أبّان المباراة التي جمعت بين المنتخبين في المونديال.

أما حفلات توزيع الجوائز، فغدت-وعلى طريقة المسلسلات الرمضانية-ساحةً لصراعٍ سنويٍ غير متكافئٍ، حيث يجود الأب-أي الفيفا في هذه الحالة-على زوجته بالهدايا التي لا تستحقها، لتنزوي ابنته المظلومة-أي كريستيانو رونالدو-مغالبةً دموعها، ويغلق المشاهد التلفاز بانتظار نهايةٍ سعيدةٍ لن تأتي.

وبينما تنشّط هذه الأحداث المتتالية من القدرات التهكمية للمتابعين، فإنها في الواقع تخلق شعورا غير منطقيا بالبغضاء تجاه اللاعب المسكين، فالصافرة بين شفتي الحكم والجوائز في خزائن الاتحادات، وميسي لم يفعل أكثر من أن يرتدي حلله القبيحة ليتسلم عطاياهم.

أدرك بأن هذا السيناريو سيبدو وكأنه ينتمي إلى المدينة الفاضلة سالفة الذكر، ولكن آن الأوان لميسي لأن يتنازل عن جائزة أفضل لاعبٍ في المونديال!

لم يعد كافيا أن يخرج نجم برشلونة ممتعضا ليقول بأنه ليس مهتما بالجائزة، فكلّ ما سيتذكره المتابعون هو أنه تأبطها خارجا من الاستاد، وصمت عن تجاهل أمثال روبين ومولر ورودريجيز. ستظل الصورة المشوّهة التي رسمها المشجعون عنه ماثلةً أمام أعينهم، رغم عدم وجود دلائلٍ تؤكد أنه دفع عجلة التحيّز بيديه، وسلطها متعمدا على أقدام منافسيه.

إذا ما أراد أبو تياجو أن يبتدع روائعا جديدةً في المجد الكروي، ويكتب تاريخا لم يسبقه إليه أحدٌ من العمالقة، فعليه أن يقف في وجه من يطففون في ميزان النجاح لصالحه، وهكذا يردم-حتى مونديال 2018 على الأقل-الفراغ المخيف الماثل في سيرته الذاتية.

لقد نست كرة القدم أول من رفض التسجيل في مرمى حارسٍ مصاب، أو أول من ذهب إلى غرفة تبديل الخصوم ليهنأهم بالفوز، ولكن مدينة بلاتر الفاضلة لن تنسى أول من ردّ جائزةٍ لم يستحقها. وهذا وعدٌ مني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 



مباريات

الترتيب

H