إنها البداية...والنهاية

رغم أني لم أشهد في سنوات عمري القصيرة سوى 3 نسخٍ من كأس العالم، فإنها كانت في كل مرة الحدث الأهم في عامي بأسره، فبها أحلم ليلا، ولأجلها أستيقظ صباحا، وبذكرها يلهج لساني طوال ساعات اليوم.

ولكن شعوري مختلفٌ تماما في 2014، فبدلا من أن ترتسم على وجهي ابتسامةٌ تطمس ملامحي عند ذكر المونديال، ستجدني أبتسم بتوترٍ وأتمتم "الله يستر". لقد انطفئت البهجة التي كانت تشع في عيني منذ 2002.

عندما انتقد الظاهرة رونالدو، والذي يعمل اليوم ضمن اللجنة المنظمة للبطولة، استعدادات بلاده لاستضافة كأس العالم 2014، تعرّض لموجةٍ من الانتقادات كان أهونها اتهام روماريو له بالتناقض، وأقساها وأمرها اتهام ديلما روسيف، الرئيسة البرازيلية، له بالشعور بالنقص، ومحاولة كسب رضا الغرب بمعاييره اليوتوبية المنتمية إلى العالم الأول.

الواقع يقول أن بيننا "روسيفاتٌ" كثيرة تصطنع الأعذار للإخفاق البرازيلي، متعللةً بأن البرازيل لها ظروفها وخصائصها، فلا نستطيع أن نطالبها بكل بساطةٍ أن تقدم لنا مونديالا بمقاييسٍ أوروبيةٍ. وهي حجةٌ معقولة.

لما نتحدث عن بعثات المنتخبات المدججة بالأموال والموارد والدعم، والتي يتسابق المدراء والوزراء والسفراء على توفير أتفه متطلباتها، فستكون محاسبة منظمي المونديال البرازيلي على بعض الأطعمة منتهية الصلاحية في الفنادق تصيدا في المياه العكرة وظلما، فهؤلاء اللاعبون يستطيعون استقدام طهاتهم الخاصين من أفخر المطابخ الإيطالية والإسبانية، ولن يعجزهم أن يأتوا بأطعمتهم الخاصة أيضا لو تطلب الأمر ذلك.

أما المشجعون العاديون، أولئك الذين لا تعرفهم صفحات الجرائد وكاميرات الباباراتزي، أولئك الذين أنفقوا "تحويشة العمر" على المونديال، أولئك الذين اختزلوا أحلامهم في الجلوس في المدرجات، فهل هو ترفٌ واستعلاءٌ حقا أن نبحث عن سلامتهم، ونحاسب المفرطين فيها؟ وماذا لو كنا نحن وعوائلنا ممن سيحطون الرحال في أمريكا الجنوبية هذا الصيف؟

إن هؤلاء البسطاء سيذهبون إلى بلدٍ لم تجهز مطاراته، مواصلاته، فنادقه أو ملاعبه، فسيكون حقهم الطبيعي في التنقل بين المدن بأمانٍ، أو الوصول إلى فندقهم في الوقت المناسب صداعٌ يوميٌ يُفسد تجربتهم، ويستنزف أموالهم. إنهم سيرتمون في أحضان شعبٍ عُرف بترحابه، ولكنه غاضبٌ مضطربٌ. إنهم مهددون من قبل عصابات المخدرات في مدن الصفيح، المختطفين المسلحين، اللصوص المتخفيّن، والمتاجرين بالبشر. بل إن هؤلاء الذين سيطيرون إلى البرازيل بكامل عافيتهم تهددهم الأمراض بعد أن أغرقت الأمطار الغزيرة ماناوس وريو دي جانيرو، لتعوم فضلات المجاري في الشوارع والبحار!

وقد نكتشف بنهاية المنافسات المونديالية أن اللاعبين والمدربين الأثرياء قد عانوا بسبب سوء التنظيم بقدر المشجعين قليلي الحيلة، ولكن سيظل الفارق بأن روسيف نفسها لن تنجو من المقصلة لو أُصيب أحد النجوم بنزلةٍ معويةٍ، بينما من الممكن جدا أن يمرض أو يُختطف أو يُقتل عشرات المشجعين فلا تُرفع لأجلهم سوى بعض اللافتات، قبل أن يطوي مأساتهم النسيان.

لا يمكننا الجزم بعد بأن المونديال البرازيلي سيفشل لا محالة، فقد تعبر البطولة إلى بر الأمان رغم كل هذا القصور بفضل رغبة البسطاء أمثالنا في انجاحها والاستمتاع بها، ولكن أعتقد بأن هذا القلق والخوف المستمرين من حدوث ما قد لا تحمد عقباه هو ما سيسطر بداية النهاية بالنسبة للاتحاد الدولي للعبة "فيفا" بشكله ورموزه الحالية.

بين سيول صيف البرازيل في 2014 وجحيم صيف قطر في 2022، كل ما أراه في مستقبل الفيفا هو دفعه لثمن اختياراته المتهورة، وإصراره على أفكارٍ لا تحمل بوادر النجاح. قد لا أعرف كل التبريرات الكامنة خلف هذه القرارات التي يتخذها كبار الفيفا، ولكني أعرف الضحايا الذين سيتضررون منها. ليسوا بلاتر أو بلاتيني أو بن همام، إنهم نحن؛ أنا وأنتم، وجميع مواطنو العالم الذين لن يستقلوا طائراتهم الخاصة أو يمشوا برفقة حرّاسهم الشخصيين.

 

 

 

 

 



مباريات

الترتيب

H