داعش والغبراء

 

تعالت أصوات الجماهير العراقية التي تتصل هاتفيا بالقنوات الفضائية لتهنئ منتخبها على تحقيقه الفوز تلو الآخر في دورة الخليج، معتبرةً كل انتصارٍ كرويٍ يحققه، وكل دورٍ يصعد إليه، هو انتصارٌ لمذهبٍ على آخر، وطائفةٍ على أخرى.

ولم يكترث الخليجيون. إنها فرحة شعبٍ صام طويلا عن اللقب...أو هكذا برروا ما يحدث.

ثم تعالت أصوات الجماهير العراقية مجددا لما خسر منتخبها نهائي الدورة أمام نظيره الإماراتي، منددين هذه المرة بالمؤامرة التي يشنها مذهب ضد الآخر، وطائفة ضد الأخرى، ومتهمين حكم اللقاء بالميل إلى الفريق الذي يوافقه الانتماء والمعتقد.

وأدار الخليجيون الخد الأيسر.. إنها حسرة شعبٍ كان يمنّي النفس ببطولةٍ تسعده...أو هكذا برروا ما يحدث.

ولم يدر الخليجيون أي بعبعٍ هذا الذي تجاهلوه عملا بقاعدة "لا لمؤاخذتهم بما فعل السفهاء منهم"، حتى اكتشفت صحيفة النهار العراقية "فوتوشوب" وأتحفت القراء بمانشيتٍ عريضٍ يصف المنتخب السعودي بـ"داعش" قبيل مواجهة منتخبي العراق والسعودية تحت 22 عاما في نهائي كأس آسيا.

ورد الخليجيون باختراق الموقع الرسمي للنهار، فصحيفةٌ تجرؤ على سرقة اسم وشعار صحيفةٍ شقيقة لا تستحق أكثر من صفعةٍ إلكترونيةٍ بسيطة...أو هكذا اعتقدوا.

ثم كان تتويج العراق بطلا مستحقا في النهائي، لتخرج قناة الأنوار الظلامية مهنئةً الشعب العراقي بالفوز على "داعش".

واكتفى الخليجيون بالاستنكار، فقناةٌ لم تفكر في الإتيان بلقبٍ جديدٍ للخصم رغم تعدد الخيارات من جيش النصرة إلى طالبان لا يليق بها سوى التجاهل...أو هكذا اعتقدوا.

حتى هذه اللحظة، لا يمكن لعاقلٍ انتقاد الموقف الخليجي، فبإمكاننا اعتبار هتافات بعض المشجعين الطائفية، وإتهاماتهم للتحكيم بتغليب المذهبية، تصرفاتٍ فرديةٍ قد تصدر من أي ثلةٍ متعصبةٍ لم تعد تبصر الفرق بين كرة القدم والقنبلة اليدوية.

بل وبإمكاننا اعتبار لعب النهار والأنوار على وتر الطائفية انفلاتا إعلاميا من قنواتٍ لم تتخصص يوما في اللعبة لتُحاسب على خلطها المقزز بين السياسة والرياضة.

ولكن بأي رُقعٍ سنُغطي تشبيه حكيم شاكر، مدرب المنتخب العراقي، لقتال منتخبه على العشب الأخضر بقتال إرهابيي "داعش" في أرض المعركة؟

إذا كان فيفا نفسه لا يعترف بمبدأ غض الطرف ليُوقع العقوبات على الأندية إذا ما رفعت جماهيرها الشعارات الدينية أو السياسية، فلم يُتوقع من الاتحادات الخليجية أن تجد الأعذار للشعارات الدينية والسياسية الصادرة من مدربٍ محترفٍ يعلم علم اليقين ما يقترفه؟

هل تفوّه شاكر بتصريحاته الطائفية خارج نطاق الملعب يجب أن يعفيه من المساءلة والعقوبة حقا؟ وهل العفو هو الحل والسنة الماضية قد أثبتت وجود نمطٍ تصاعديٍ في الخطاب الطائفي الصادر من الوسط الرياضي العراقي؟ هل يجب أن يُترك للمتطرفين الحبل على الغارب حتى يصل طاعونهم إلى الملعب ليغدو اللاعبين بيادقا في حربٍ طاحنةٍ عمّرت 14 قرنا؟

يقول التاريخ بأن داحس والغبراء شبّت بين العرب 40 عاما حتى أتى مصلحان فدفعا دية القتلى وأنهيا القتال، فهل يهب من الاتحاد الآسيوي مصلحٌ حازمٌ ليسمح لمعركة "داعش" والغبراء التي يشنها الإعلام العراقي أن تضع أوزارها؟



مباريات

الترتيب

H