لأننا لا نستحق دموع خليلوزيتش

بعد انقضاء نشوة تركيع مولر ورفاقه، استيقظ الجزائريون على واقعٍ يضطرون فيه لطرق أبواب مواقع التواصل الاجتماعي في محاولةٍ أخيرةٍ لاستعطاف وحيد خليلوزيتش، مدرب المنتخب، لثنيه عن قراره بالرحيل عن محاربي الصحراء.

ورغم أني لا أحمّل المشجعين الجزائريين أوزار ما اقترفه غيرهم، وأتمنى لهم بمصداقية الدموع التي ذرفتها سعادةً لانتصارات الأخضر أن يستمر هذا النجاح، إلا أننا-كعربٍ ربما-لن نعي بعد ألف باء ما أتى به خليلوزيتش، وعلينا العودة إلى مقاعد التخبط لنفهم فداحة الأخطاء التي سطّرناها في صفحته.

منذ حطّ المدرب البوسني الرحال في بلد المليون شهيد، ضُحيّ به دون وجه حقٍ ليكون الشهيد رقم مليون وواحد!

لم يُكره الاتحاد الجزائري بقيادة محمد روراوة يوما على التعاقد مع خليلوزيتش من بين آلاف المدربين، ولكنهم رغم ذلك وضعوا يدهم بملء إرادتهم في يد هذا الرجل المنضبط، المهني والصريح؛ لقد فتحوا ذراعيهم لجميع الصفات التي لم يكونوا-ولم يكن إعلامهم-على استعدادٍ للتعايش مع تبعات انتقائها.

نتنطع كثيرا في العالم العربي عن تلك النقلة التي نقوم بها نحو الاحتراف، ولكن هذا العجوز شاهدٌ على عصرٍ لا زال يستأنس بظلمات الهواية وتمييع الحدود.

خلال سنواته الثلاث في الجزائر، فُجع المدير الفني بمواقفٍ تكاد لا تحصى من التدخّل المستمرٍ والمشوّش-بل والذي يكاد يصل إلى حد السخافة-في عمله، فتارةً يقتحم الصحفيون الفندق الذي تقيم فيه البعثة للسهر مع اللاعبين، وتارةً يفرض عليه روراوة مساعدا محليا سبق أن اعترف خليلوزيتش بعدم اقتناعه به. بل أن رئيس الاتحاد لم يتقبل منه رأيا معقولا حول كون الأفضلية تصب في صالح بلجيكا وكوريا.  

وسيتذكر مؤرخو القرن الحادي والعشرين أن خليلوزيتش تم جره إلى معمعة تعيين راقٍ شرعيٍ رسميٍ للمنتخب، لتصبح آلية صد إشعاعات الحسد وفك طلاسم السحرة أهم من 3-5-2 واختيار قلبي الدفاع.

وهُمّش دور المدرب بسبب شجاعته وصدقه إلى حدٍ أصبح فيه محاربو الصحراء مأمورون بتجاهله، ليغدو حبيسا لسجل المغضوب عليهم في هواتف اللاعبين النقالة، وربما فرضوا الصمت على محادثاته في "واتساب" أيضا.

لقد ظل خليلوزيتش للشق الأعظم من تجربته طافيا بمركب المهنية، مبحرا نحو الصراحة مهما قويت الأمواج المعاكسة، ورافضا للتعكير على مياهه. لقد استطاع أن يفي بوعده حينما قال "لست خروفا لكي أكتفي بقول نعم"، ولكنه-كالغالبية من السابحين عكس التيار في عالمنا العربي-انهار بالشوط الأخير، ليستنسخ عهد رابح سعدان بلامبالاته وتراخيه وقواعده الفضفاضة، فيسمح بسهر اللاعبين وتدخينهم للشيشة.

وحتى حينما تخلى المدرب المقهور عن انضباطه، خرجت الصحافة لتنتقده، وكأنها لم تهاجمه بضراوةٍ حينما كبّر أربعا على التقاليد الضارة في الكرة الجزائرية ودشن عهدا جديدا من الالتزام. وهكذا هم الهواة؛ لا يعجبهم العجب لأنهم لا يدركون ما يريدون أصلا.

بواقعيةٍ شديدة، نحن لا نستحق دموع خليلوزيتش، فدعوه يرحل بسلامٍ.

 

 

 



مباريات

الترتيب

H